
مساحة
من الألوان و الخطوط ، تحمل كل هذا الحوار و تثير كل ذلك الجدل و تكون
الشاهد على لحظة غفل عنها التاريخ ، و دائما تكون العنوان الأول
و تبقى متفردة تواجهنا بسؤال يختصر أسئلة ، إنها اللوحة التشكيلية ، التي تحفظ وجه الزمان بكل قسماته .
هذه
المساحة بكل حدودها لا يمكن حوارها إلا من نافذة الرؤية البصرية . و يتطلب
ذلك من المحاور ثقافة بصرية تستطيع القراءة بتعددها المطلوب ( بمعنى :
قراءات الشكل و المشهد" الحلم " و المعنى و ما حوله ).
إن
القاعدة التي تقوم عليها الثقافة البصرية في قديمها و جديدها هي أنه ممنوع
عليك أن تنظر إلى أمام بمعنى أنه ممنوع عليك أن تحلم ،
إن أقصى ما يمكن أن تفعله كإنسان يبني أحلامه هو أن تقترب نسبيا من خطوط حمراء و زرقاء و خطوط لا تعرف متى تصبح مقياسا ،
و
ضعها أناس تركيبيونبمعنى تلفيقيون يناسبون اللحظة على ما يخدم مصالحهم و
يجتهدون في التصنيف و التبويب بما يناسب مقاساتهم على كل حال.
إذا
كنت تريد أن تعبر عن حياتك أو فلسفتك أو مقولاتك بمعنى أحلامك عن طريق
الرسم ، سوف تأتيك الردود من كل حدب و صوب و هي تنقل مقولات بالية زائفة و
مهترئة بعد أن تناولتها الألسن كيفما اتفق مثل : إن الفن لا يطعم
خبزا .
و هل أنت بيكاسو ؟
و
نرى أن هذه الجمل و غيرها هي بمثابة الحكم الذي ينتظرك كي يصنفك و يصفعك
بنفس اللحظة و إذا غامرت و قدمت حلما من أحلامك بمعنى لوحة ما ستجد
بانتظارك ما هو جاهز و مناسب في نظرهم :
ماذا تقصد بهذا الشكل ؟
لماذا لا ترسم مثل فلان ؟ ( و في أغلب الأحيان يكون هذا الفلان شخصا يعمل في مجال الفنون التطبيقية ) .
لماذا لا ترسم مناظر طبيعية ؟
لنفترض
أنك ، و تحت حصار محكم ، قاربت مطالبهم و رسمت بالشكل الذي يريدونه أو
المضمون الذي يتحدثون عنه ستجد أيضا ما هو معد سلفا مثل جدار اسمنتي مسبق
الصنع ينتظرك .
و إذ قدمت شكل الحصان في
اللوحة فيا ويحك إذا لم يكن يعني الرجولة و الشهامة و الإباء ...
الخ كأن الرجولة لا تعني شيئا دون حصان ، أو العكس .
إن
هذا غيض من فيض في مقولة الحوار في الثقافة البصرية و الثقافة بشكل عام ،
حيث يتحول المتلقي إلى ناقد يلبس زي المنتقد و هو ليس مطالبا بذلك
في كل الحالات كما أن الفنان ليس مطالبا على الدوام أن يكون مدرسا في قسم
الوسائل التوضيحية .
إن المسألة و السؤال الذي يطرحه الفن على مدى الزمن هو نتاج و قراءة حية و حقيقية للفترة التي يعيشها الفنان .
هل سألنا أنفسنا ذات يوم :
كم نحن بحاجة إلى الفن ؟
ماذا يمكن للوحة أن تقدم لنا ؟ و ماذا نريد منها ؟
هل
يسأل المشاهد نفسه عن نفسه أمام اللوحة ؟ ماذا تفعل هذه المساحة اللونية
المترامية بكل أطيافها و لماذا نقف أمامها كأننا نستعيد توازنا
مفقودا و من يقف وراء هذا العمل الساحر الذي
يفرحنا حينا و يحزننا حينا آخر ؟
وهل نبحث عن إملاء زاوية مهملة أو جدار إذا فكرنا بشرائها و اقتنائها ؟.. هل و هل ؟