تألمـت كثيراً هذا الصباح ، قبل أغنيـة نائحة في بطن المذيـاع المخنوق بحبال الرياء المجدولة من أطياف التضليل مع سبق الإصرار على الكذب بأذهان مفتوحة ،
و فنجان قهوة لا طعم له و لا لون رغم إنسانية عامل الكافيتيريا و مقال مهترئ في وجه صحيفة صدئة رغم محاولات الصحفي على اكتشاف ذاته
و أنا خلف طاولة مكتبي الضيق كزنزانة الحبس الإنفرادي الذي لم أعرفه و لذلك أتخيله كل هذا الواقع من حولي  ، يغمرني إحساس العجز متوجاً بالإعاقة في كل أصداء جسدي المنهك بأحلام ليست وردية ،
كأنني ممحيّ في أحضان هذا الوقـت المهمل في صفحة الزمان الذي لا ينتظر مسرعا نحو اتجاه مخاتل نظنه الأمام

تألمت كثيراً. وعرفت هذه اللحظة لماذا كنت أحزن بعد إنجاز كل عمل فني. وهاأنذا أقول و لا أعتقد أن الكلام استطاع في مرة أن يعبّر عما يريد كاتب.

و لا أظن أننـي أقدم فلسـفة صباحيـة بمعنى اجترار المعنى بل لأنّ كل قول يحمـل مـن المعنى ثلاثاً مجتمعة في معنى رابع:

   أولها : المعنى الذي يريده القائل

و ثانيها : المعنى الذي يضمره الكلام

و ثالثها : المعنى الذي يفهمه المتلقي

و رابعها : اجتماع ما تقدم في معنى شامل.

 في هذا الصباح المغسول بضوء العتمة مثل كل صباحاتي التي صافحتـها و راقصتــها و ألقيت في أحضانها الكلام والتشكيل ونزف الألم.
في غفلة مني رسمت توقيعي معلناً انتــهاء العمل على أحد الأعمـال التشكــيلية التي ألفتـها و حاورتـها على مدى أوقـــات المساحات الزمنية التي قرأتها بصرياً    و حسياً ،
و حملتها في كل وقت فلسفتي و آلامـي بمعنى أحلامي الحزينة و حريتي المقتولة  وعشقي المصلوب و حواري المقموع  و أشعاري التي ألقي القبض عليها و أودعت صناديق محكمة الإتلاف ،
و هي التي اجتمعت و أصبحت عمري حتى هذا الوقت المكـرر حد نزيف الرماد الباهت فوق الورق الأصفر لكثرة إحجام الضوء عنه.
جاء مولودٌ جديدٌ إلى عالم الرؤية و الحوار البصري و أنا المسؤول عن ذلك ، أعتـرف  و أنا في قمة ألمي ، أنني ألقيت حلماً فنياً بمعنى لوحة تشكيلية إلى ساحة الكلام في زمن  الصامتين.
لوحة بمعنى أحلامي و أعصابي و خلايا دماغي و ريح دمي ، بحتُ بها تشكيلَ خطوطٍ تراقصُ نقاطاً على جلد الورق وأصبحت في واقع المشاهدة في زمن  العميان.
أتألم و أنا أكتب عن الذي أشعر به لأن الكتابة نوع آخر من القول و أنا أحبها لأنها نوع من أنواع التشكيل و ربما كانت آخر مساحات الفهم الفلسفي المفتوح بمعنى حرية المعنى و كانت الكتابة التصويرية
هي آخر درجات الإبداع الإنساني قبل اختراع ما أسميه لغة التجارة التي جلبت الكثير من محاكم القتل المعنوي للحلم و أصبحت تعتبر المعنى المجرد رمزا يقف الزمان عند هالته الضيقة كثقب الإبرة ،
أتألم كاتباً كما تألمت رساماً لأنني أكتب في زمن  البكماء.
مذنبٌ لأنني أبحتُ بنصي البصري هذا.

مذنبٌ لأنني أبحتُ بنصي الكلامي أيضاً.

مذنبٌ في كل اتجاه و كل بعد في رحاب زمن الصامتين بعمى أبكم و بكل فخر.

لماذا هذا التعميم ؟

و هل أنا محق في اتهام نفسي و اتهام لوحتي و اتهام كلماتي ؟

و أريد أن أسأل :           

هل أستطيع ارتكاب فعل الصمت ؟

و هل أستطيع أن أمارس فن العمى ؟

أم هل أنا أبكم عابر فوق أرصفة الطرشان ؟

لست ذلك بكل حزم تقول اللوحة التي ترقد بين أصابعي النقية .

إذاً أنا متهم : أقول لها. ثم أدعوها إلى مشاركتي رقصة المذبوح فوق جحيم الوقت الذي يأكـلنا لنتحول إلى نفايـات تقبع على أرصفة اللاوعي المولود من رحم الجهل في زمـن الخراب الذي يتشكل على هيئة مشيمة تفضي إلى المبهم .

 

 
محمد بدر حمدان

أقصـى الألـم
الصفحة الرئيسية