
... من تعب أبدأ الكتابة ، وأنا أحتسي جرعة وقت طويل و أسافر على قلق التذكر إلى هناك وأشير بإصبعي إلى محطة في صدأ الذاكرة المتوشح بأطياف أهلي ، حين كانت صرختي الأولى بمعنى ولادتي تدوي في وجه الحياة :
" إنني حريتي "
بعد
مسافات قصيرة وبضع تعليمات قاسية حول الذي يجب و الذي لا تستطيع قوله أو
سماعه وقوانين تهطل من كل جهات المكان بدأت أهمس فوق الصفحات البيضاء ،
كان دخولي إلى المدرسة مبكرا بسبب خطأ في تاريخ ولادتي .
في
سن الخامسة رسمت خطوطا ملونة لمشهد منظور شارع ما ، كانت جميلة إلى درجة
أنها أدهشت معلم الصف ولم يقتنع بأنني يمكن أن أرسم بهذا التفوق وكان أن
اتهمني بالكذب وأهداني صفعة لا زالت تؤلم وجهي وجاءت صرختي الثانية .
" أنا لا أكذب "
لم
نكن نملك ألعابا ولا أمكنة نمارس فيها أي نشاط ، كنا في مجموعنا طفلا
واحدا لا يعرف خصوصية الطفولة وكانت الدروب الموحلة تحتضن أحلامنا وكنا
نطلقها مع العصافير البرية
كي تخبئها لنا في أعشاشها العالية خشية أن يصادرها أحد الكبار الذين أتخمونا بالتعاليم التي لا تنتهي .
بقيت
على الدوام طفل أهلي المدلل ، فهم يحبون الابن البكر مثل غيرهم وقدموا
نذورا كثيرة لأجل أن أحيا ، و كان أحد هذه النذور أن أمي تركت شعري يطول
ويطول
وبعد ذلك قدمت وزنه مالا بمعنى الأضحية ، وبعد ذلك بزمن أطول من سيمفونية
بقليل وجدت أنني لا أقص شعري منذ وفاة أمي ، دون قصد أو قرار، تلك التي
رحلت حاملة معها كل أمداء الطفولة لتتركني طفلا عمره خمسة آلاف عام .
في
تلك المرحلة الدقيقة من عمر الإنسان أعرف أنني كنت أرغب في تكوين خصوصية
ما. لم أكن أرغب أن أقلد أحدا أو أتشبه بأحد . كنت أريد أن أكونني. وقد
تكون هذه صرختي الثالثة .
عند زاوية
الأغنية المياسة تلك بدأت تأليف حواري الخاص بمفرداته الخاصة ولونه وطعمه
ومسافته ، كان الرسم أرقى لغة أجدتها وكما كتبوا عني لا زلت
" أرسم
شعرا و أكتب رسما" ، لكن حوارا أردته لم يحصل بمعنى أنني اكتشفت أمية
بصرية أقسى من سابقتها و أعلنت أنني سوف أنظف أعينهم من صدئها القاتل ولا
زلت لا أستطيع .
كان أهلي بمعنى الوالدين
أميين لا يجيدون لغة الكتابة ، وبعد ألف كتاب وألف أكتشف أن الذين لعبوا
دور الأستاذ في حياتي لم يكونوا أفضل حالا منهم . وبعد رسم ألف لوحة ولوحة
أستطيع إدراك مدى الأمية البصرية
التي
يتمتع بها حاملوا الشهادات بعنى درجات التحصيل العلمي والتي لاترقى إلى
مستوى قراءة عمل فني واحد وهذه بقيت في نظري أشد أنواع الأمية فتكا
بالثقافة .
أذكر أن والدتي كانت تريدني أن
أقرأ بمعنى المطالعة ، وقد أدركت بعد أكثر من مطالعة و مصافحة ذهنية للكتب
بأنني لا أكتفي بمطالعة الحرف و معناه الذهني المجرد ، وجدت أنني بدأت
بقراءة الأشكال بما تحمله من جمال يخصها ،
وبدأت
أقرأ سطوح الأمكنة بفضاءاتها الشاسعة ، وكان أكثر ما يلفت انتباهي أزقة
قريتي الضيقة المتاخمة لبراريها الواسعة المتسعة كهطول الضوء في ظهيرة
تموز .
.... لازلنا في أول صفحات الطفولة عمرا ، وقتها كنت أذهب بصحبة والدي إلى دور السينما وكنت أقرأ الترجمة له .
كان
إحساسا مهيبا يدعو إلى التأمل ، حيث أنني أتحول إلى معلم لأهم الشخصيات
التي مرت في حياتي ، وبدأت السينما تحمل في نظري مفهوم اللغة التي يجب أن
يتعلمها الكل بمعنى التشكيل البصري ، وكذلك كان المسرح فيما بعد قصيدة
وأبياتا تهامس بوح ماضيها .
عملت في مجال
تصميم الديكور و أردته على خشبة المسرح نصا موازيا لآفاق المشهد وليس
ترجمة أو خلفية مناسبة لنص العمل ومن خلال ذلك عرفت قسوة العمل الجماعي
وحاورت فتنة اختلاف الآراء ورأيت أن من يقوم بدور " كومبارس " بسيط
لا يقل أهمية عن بطل العمل و أن لمسة لون فوق سطح ما لا تقل أهمية عن إضاءة وجه البطلة .
التصميم
الإعلاني و أغلفة الكتب و الإخراج الصحفي كان على الدوام مسارا موازيا
للوحتي ، وحين عملت مؤخرا على فيلم سينمائي كنت أستجمع ذاكرتي البصرية
دفعة واحدة لتصميم ديكور قد لا يظهر في مشهد الفيلم أكثر من ثوان معدودة .
بين
معرضي الأول و أنا في سن الثامنة عشرة ، ومعرضي الأخير ، آلاف اللوحات و
القصائد ورغم ذلك لازلت أطلب أن أتعلم من اللوحة القادمة و أرغب تأليف
جمال مختلف بمعنى حوار مختلف يبتعد قدر المستطاع عن إرباك الفكر الذهني
الذي تعيشه اللوحة التشكيلية في سوريا ،
بلدي
، واللوحة العربية بشكل عام وربما اللوحة في العالم اليوم ، و لا أدري إذا
كان ما نستطيع أن نسميه كذلك، بمعنى أن هناك دائما فن ينتمي بخصوصيته
المحلية إلى العالم تاريخا وحاضرا وربما هو معيار مهم للفن الحقيقي وليس
المستهلك .
حين بدأت أتلمس نفسي بشكل فلسفي
وجدت إشكالية حادة في كل محاور فضاء اللوحة التشكيلية أو الإبداعي في
مجمله الحاضر ، وكان أهم ما انتقدته هو النظر أو التفكير من زاوية واحدة
وهي ضيقة في كل اتساع المعنى ،
ولم تكن الآراء النقدية أقل قسوة أو تعليمية عن تلك التي لبسناها في صباحات الطفولة ، وهكذا ربما كانت صرخة بعد ألف :
" لا حدود لي " ، بمعنى أن أحلامي لا يمكن أن تقف في وجهها مساحات طوطمية أو أروقة لولبية صماء أو أوراق توت أو عنب .
وربما
لا زال على كتفي حلم ينتهي في تنظيف الأشكال من ظلام يفقدها حدودها على
الدوام ، ولازلت أحدد الأشكال بلونها دون ادعاء أو زيف مشاعر موشحا إياها
بعطر المحبة .
كان الخريف صفحتي المفضلة ،
أشجاره العارية أراها تفصح عن حقيقة الكامن من الحياة ، ودروبه التي تحتضن
أوراق الوقت المتراقصة على وقع موسيقى ريح لا تقف .
وبقيت أكتب فوق جدار القبر :
لا أملك شيئا من شيء
لا أرغب شيئا من شيء
أنني حريتي .
محمد بدر حمدان
أوراق تشكيلية
( حكايتي مع اللوحة )