
ورقة أولى:
على
حافّة السواد المفتون بألحان النجوم الفضيّة ، هناك ، قريباً صوب أطياف
العتابا ، أردت كتابة بوحي الأول و لم أكن أجيد شيئاً غير رفع أصابعي في
وجه الفضاء كي أقطف منه كرة ملح حجمها الشمس،
تحترق
على حدود كفي الذي يهوي على صدر الورقة حبّات من الأحلام و أشجار غادرت
أوراقها كأنها تسافر في مكانها لا تطيق انتظار قدوم الأحبة . و كنت لا
أطيق.
أرسمكم فوق جباه أغانيكم
تفترشون لحاف أمانيكم ، و ضوء القمر.
على ملامحكم أقرأ إفصاحاً آخر للريح ،
و أهامس وجه اللوحة عند سفوح الدفء الآتي من بسمة أمّي
تنبؤني (( إن الفن لا يطعم خبزاً )) فأزيد الهمس (( و لا ماءً )) .
ثم أزيد القول :
وجهك لا يتّسع الوقت لبوح تفاصيله ، لا تتسع الصفحات أو الجدران .
وجهك لا يتّسع القول لقوله، أنثره فوق ضياء اللوحة ،
ثم أزيد : (( الفن لغة الحلم الطافح بألوان السؤال ))
و هناك ، قربَ تخوم حكايا الجدّات ، كان الرسم أبلغ من لغة ، كان الرسم أول إفصاح صامت .
و هناك ، رقصت كل الأسئلة متخفيّة .
تلبس أجنحة فراشات أبهمها الضوء .
تدور الأسئلة البيضاء في ماء الحلق ، يدور جواب يعرف أن الورد يقول العطر إجابة .
قراءة أولى :
مما
لا شكّ فيه أن المفردات البصرية بكافة أشكالها و امتداد ألوانها و اختلاف
مواقعها هي التي تؤلف العمل الفني في كل زمان و مكان ، سواء كان العمل
لوحـة ( بأنواع تنفيذها ) أم نحتاً ذو أبعاد ثلاثية ، أم نحتاً نافراً أو
محفوراً ،
لا بد من شكل ( مفردة
بصرية ) يتم حوارها و بناؤها حتى تكتمل المشهدية المنظورة بصرياً . و إذا
كان الفرد البشري يبدأ فور ولادته تعلّم اللغة ، مثلاّ ، في المكان الذي
تمّت فيه الولادة فإنه يتعلم معها أشكال هذا المكان بكل ما تحتويه من
وجـوه و أشـجار
و
دروب تهرب خلف زوايا الأغاني . هذا ما نسميه الرحم البصري الأول الذي
يساهم بخطوطه و ألوانه في خلق المشيمة المحلية لدى الفنان و التي لا بد أن
تستمر في ظهورها رغم كل الآفاق الشاسعة التي أظهرتها حرية التعبير الفني
على مدى الحضارة .
قرأت
مرةً ما معناه أن الفنان إما أن يكون فناناً أو لا يكون ، هي مقولة واضحة
تلبسُ ستار الغموض ، و لربما كان شرطها الأول هو الملامح التي يظهر بها
هذا الفنان على امتداد أعماله و ربما أيضاً ، هل أن خطوطه و ألوانه
استطاعت أن تقدم فلسفته الجمالية ،
و هل أن مفرداته البصرية استطاعت أن تجعل من حدودها ضوء اللون الشاسع في براري رحمه الأول . و هل ، ثم هل ؟
إن
الفنان لا يتكرر مثل ماء لا يعبرُ النهر مرتين ، و حين يكون واضح الملامح
، نقي الرؤية و الرؤيا يتحول بدوره إلى ملامح محليّة هائلة القول و
المساحة .
ورقة ثانية :
أن
تبدأ الكتابة عن عالم لم يوجد ليكتب عنه أنه أصلاً ، و أن تحاول ترجمة
مساحة لم تشكل إلاّ كي تحس فقط و دون شرح لمفرداتها أو تلخيص واصفٍ لها .
إنني
أجد هذا ضرباً من المغامرة التي لا تؤدي إلى نتيجة . فأنت ، ربما تستطيع
أن تقول كلاماً مثيراً يبعث على التذكر أو يحرّض على تمثّل حالة ما .
لكنك أبداً سوف تبقى خارج الشـكل الذي تتحدث عنـه في موضوعة الفـن التشـكيلي خصوصـاً و موضوعة الإبداعي في مُجمله ،
و
لسوف تبقى بعيداً عن متناول المساحة التي تبعثرت على امتدادها أنفاس
الفنان الفاعل المهموم في مقولة التشكيل و انهمارات الذات المتناثرة في
فضاء هائل الحجم لا تحده مساحة وجوده ، يشكّل ذاته بذاته ،
كلاً متكاملاً لا يمكن عزله أو فصله أو دمجه ، و لا يمكن التصرف به مهمـا كانت المبررات .
إنك تحسّ العمل الفني بسرعة أو بهدوء و قد تقول أنك وصلت . و لكنك ما تلبث أن تغيّر رأيك … ربما ، أو قد … و لا شيء مؤكد ،.
إنه الحلم المجسّدُ الذي يُرى و لا يُروى .
و هو النشيد الذي يُسمع دون غناء ، يهدر في أعماق الذات جارفاً لجة المشاعر بشغب هادىء حدّ الصخب .
نشيد يزلزل أركان الصمت ، بصمت أشدّ وطأة و أمدى زمناً .
إنه العمل الفني الذي يبقى ، هكذا ببساطة ، و دائماً خارج صراع اليومي و المباشر و أطياف التشابه و التماثل.
العمل الإبداعي خبز لا يؤكل ، و هو بقدر يوميته زمنيٌّ يحتضن الوقت حتى آخر لحظـة في مدى وجوده
وها أنت تبحثُ عنك في ما هو أمامك دون أن ترى نفسك ..
إنه التصاق الحلم بمسافات الواقع الذي يكتب شرفات المستقبل .
قراءة أولى :
ليسَ
مديحاً أن تكتب حول تجربة فنان ما إذا كنت تعرفه شخصياً أم لا . و ليسَ
نقداً أن تقوم برفض ما يقدمه لمجرد الرفض ، أو تقبل ذلك لمجرد القبول .
( أفضّل
أن أقول كلمة حوار عوضاً عن كلمة نقد ) . المديح و نقيضه ليسا نقداً ، هذا
على الأقل ما أجمع عليه تاريخ النقد الفني ، و بما أن النقد لا يمكن أن
يسـتبق اللوحـة ( العمل الإبداعي ) أعتقد أن لحظة الحوار تبدأ
مباشرة حين نصافحه بصرياً و لا شيء مسبق .
و
هكذا فإن تداخل الشخصي و الحالة الذهنية الموجودة قبل أن نبدأ الحديث عن
عمل فني ، يقدم أسوأ الإساءة إلى كلا الحالين ، الناقد و المنقود على حد
سواء .
و دائماً يبقى العمل الفني لا يحتمل
المجاملة بل ربما يخجل منها ، فهو إما أن يكون مكتملاً بملامحه و تكوينه
أو لا يكون و لا مجال للدخول في تفاصيل القياس . فهو وقتي و
زمني في آن .
إن أي أثر فني يقوم به الفنان
و يكون غير مكرر أو منسوخ أو ما شابه ، هو عمل فني يحمل صفات الإبداع
بتفاوت درجاته . كما إنه لا توجد مدرسة تشكيلية ابتدعها فنان بمفرده .
فالمدرسة التشكيلية هي محصلة حضارية لمجموعة أعمال إبداعية تلتقي في رؤية بصرية واحدة لعالم الأشكال الفاتن .
و
كما أسلفنا ، حين تكون القراءة سطحية و مباشرة للعمل الفني ، تتحول إلى
ساتر يعيق تواصل المتلقي مع ما ينتجه الحوار الإنساني في الوقت
الراهن و الوقت الذي احتضن الحضارة .
العمل
الفني هو بمثابة نص مفتوح ، لكنة لغة تحمل دلالاتها في شكلها و لابد أنه
يحرض الذهن المتأمل له على البحث عن تفسير لجملة القضايا الجوهرية التي
يطرحها الفنان خلاله على بساط الحوار الحضاري بكل أبعاده .
العمل
الفني لغة مرئية أراد الفنان تاريخياً أن يكون لها رموزها البصرية و
معانيها على امتداد الذاكرة و الحاضر و الحلم الذي يلبس ماء المستقبل .
دائماً
يحتمل الإبداع الفني أكثر من قراءة و أولها بالضرورة القراءة البصرية ،
تليها بشكل مباشر القراءة الذهنية الباحثة تلقائياً عن المعنى الكامن وراء
المفردة التشكيلية و آخرها ربما تكون قراءة المتعة و الإفادة .
و
هنا لا بد من الإشارة بقصد التأكيد على أن قراءة المتلقي هي قراءة شخصية
تنبع من مستوياته المتفاوته و قدرته على الحوار . مما يفضي إلى أن
شروح و تفاسير الفنانين لأعمالهم لا تكون مقنعة في مرات
كثيرة .
و أيضاً هناك فنانون و مدارس نقدية
طالبت بعدم شرح أو تفسير العمل الفني ، لكنه بصفته حالة حوار بقي مثار بحث
فاتن عن المعنى . مما أدى إلى اختلاف القراءات من حضارة إلى أخرى و من
ناقد إلى آخر .
هذا ما يؤكده تاريخ النقد
الفني و أدبياته . و كان ذلك يساهم في تكريس العمل الفني محاوراً مدهشاً
على مر العصور بدءاً من لحظة إبداعه حتى آخر لحظة في وجوده البصري .
و
أخيراً بمثابة ابتداء : حين نطلق على شخص لقب ( الفنان ) هكذا دون زوائد
إنشائية ، أعتقد أنه أعلى لقب يمكن أن تمنحه الحضارة لفرد فاعل فيها .
و
هو مسؤولية تاريخية لا يجوز التمترس وراءها أو استغلالها أو القفز فوق
حوارها . الفنان كائن حضاري في أول درجاته ، و لا بد أنه يساهم
دائماً في بناء الحضارة ، لأنه الذي يرى ما يجب أن يكون ، و لأنه رؤية
زمنية ،
مهما كان حاله ، و مهما بقيت الرياح تجري بما لا تشتهي ريشته .
ورقة ثالثة :
في
أوّل أحوال الرؤية ، أول أحوال النطق و كشف المخبوء من الصوت و ألحان
الدرب ، كنت أتسلّق عشب الأيام وحيداً ، و كثيراً لا زلت أتهاوى في ماء
الوحدة .
يقلقني إبهام مساحات الأبيض . و
أغانيه الخرساء تراقصني فوق فضاء مداه . و على كل زواياه تتشكل أنواع
العزف و تأتي أجنحة الصدأ في آخر آهات الوقت مساءات تنجب أقماراً
فاحشة الصمت .
يقلقني إفصاح الورد عن كامن أشعار العطر .
و جنوني المصلوب على كتف الجهل يأوي في هدأة أوجاعي حلماً يتماهى خلف صقيع البوح .
و إذاً … كيف تكون بداية بدء لا يبدأ ؟
" لا أعرف " أهمس صوب صباح غادره كحل الضوء .
كيف تضيع الكلمات في أول أطياف النطق .
ثم لماذا تتهافت أسئلة لا ترقى ، و تصافح أجوبة لا تعني غير هباب كلام .
" لا أعرف " أهمس في وجهي تغمره أسئلتي البيضاء .
أي زمان يخرج من عنق الوقت و لا يسفح ماء مشيمته المسفوح ؟
و إذاً … كيف تبدأ بداية لا بداية لها ؟
" لا أعرف " أنقش جهلي فوق جدار أخرس .
تشتد الرياح على دمي ، و يصير ضوء البدء إسدال السواد المستحيل إلى سراب .
لست أحكي قصة الأوقات التي يعوى على أبوابها إفصاح الفراغ .
خارج كلمات أغنيتي .
خارج الوقت الذي يمضي رحيلاً خلف أيام الغبار .
بارد وجه الكلام
و صقيع ضيق القول يحرق ما تبقى .
بارد وجه الورق .
قراءة أولى :
لا رغبة لي في متابعة لفظ الأشكال … تعبت من صمت الورق .
قلم : محمد بدر حمدان