
بعد
أن أصبح من المتفق عليه بشكل علني و مبطن ، و تم إثباته تاريخا و حاضرا و
تم نشره بشكل يومي على مدى عقود جاء إعلان وفاة الصحافة الناطقة بالعربية
( بلا استثناء )
في
ورقة نعي تليق بتاريخها التضليلي المشؤوم وانتهاء مراسم العزاء في
حضرتها و جلالتها و حاشيتها و عسكرها و بوابيها و عصاباتها و
شلليتها ولا ديمقراطيتها وانحيازها الدائم للكراسي و المقامات الجوفاء
الفارغة
على
مدى التاريخ العربي المهزوم بأوراقه و أقلامه و المنكوب بجهله و ركوده
الذي تعفن على مدى تراكم هائل الحجم من تكرار النص الصحافي في كل أحوال
الكتابة .
انتهت
كل أنواع المراسم مع إطلالة الصحافة البديلة كوريث شرعي و حضاري وشاب لسلف
مهترىء ومنخور حتى عظم الكلام . و في هذا نحن أمام حال مهمة و أمام أدوات
جديدة ووسائل أكثر حداثة بمعنى أننا في باحة الحرية بكل بهائها .
ومن
جهة أخرى عادت مع شكل الصفحات الكتابة التصويرية و هي عودة حميدة في رأيي
النقدي حيث أن هذه الكتابة كانت آخر مراحل تطور فلسفة التفكير البصرية .
وجاءت بعدها الكتابة التجارية التي هي بحاجة إلى ترجمة من هنا
و هناك
و
بها بدأ انحدار التفكير و المعنى حتى وصلنا إلى ثقافة بحاجة إلى أن تترجم
كما هي حال الآراء و الأفكار المطروحة في صحافة العقول المتحجرة .
و
بعد تردد و ترقب وربما ضيق الحال و الوقت بدأت تطل علينا صفحات الكترونية
تتصدى للاهتمام بشأن الثقافة و الإبداع . و تقرر حسب بياناتها إنهاء عقود
من الإجحاف بحق المبدعين
و
أنها ستكون المنبر الأوحد أو الأول أو الذي لا يضاهيه موقع في منح حقوق
النشر للجميع و إفساح المجال أمام الأقلام المكرسة أو الواعدة .
أنا
في الواقع ترددت طويلا و لكن بعد فترة صمت طويلة في حق كتابتي و لوحتي
قررت البداية مع بداية العام ، يعني بالتحديد أقل من شهر حتى كتابة هذه
السطور .
في
أقل من شهر انتابني إحساس القرف الذي كان أشد من قرفي من الصحافة المكتوبة
التي منعت لي نصوصا و صور أعمال وحذفت و نشرت أعمالي بالمقلوب و قطعتها
على طاولات المونتاج الصحفي ،
و
التي أخضعتني لآلاف التقييمات و المزاجيات و صنفتني في ملفاتها المغطاة
بغبار الأحزاب و التحالفات و المحسوبيات و لأنني لم أكن في صف أحد فقد
دفعت ما دفعت من ثمن .
وهكذا
وجدت أن بعض المواقع الثقافية قد تم اختراقها من ملوك الصحافة سيئة الصيت
و السمعة ، وها هم لم يتأخروا عن الجلوس على كراسي المنع و الإعاقة ،
و
نصبوا أنفسهم قضاة و بدأوا مواصلة بث سمومهم الفكرية في كل اتجاه البعض
منهم تراه في كل مكان صحفي و تراه يدافع عن هذا و ذاك و لكن على هواه و
مزاجه بكل تأكيد و إذا أحب أحدا عمل من" الحبة قبة " كما يقولون
و
إذا لم يحب فلا تستغرب أن تجد كل آراء البداوة و تصرفات السلطات البدوية
في وجهه و سوف يمارس عليك عقدة اضطهاده . هو الذي يشبه جيلا من الكتاب
الوصوليين الذين يستغلون بشكل دائم مسألة أنهم منبوذون
و
مضطهدون من السلطة الجائرة و بالتالي هم معارضة بل أبطال في المعارضة و
هكذا وصلنا إلى حال لا شبيه لها في التاريخ تقول بأن المثقف لابد أن يكون
معارضا ، أليست هذه حالة اعتقال مقنعة ولم تجد نفعا على مدى تاريخ معارضة
هذه المعارضة .
إن
المثقف في رأينا أهم بكثير من هذه المسائل المرحلية وهو صانع الثقافة وهو
شأن للبشرية وليس لشلة مصابة بعقدة النخبة وهذا حجاب وليس ثقافة نريدها .
و
البعض منهم حديث العهد بهذا ربما وسريع الغضب و يمرر على صدر صفحته شتائم
و سبابا مفتوحا وهذا لا يليق بمن يدعي الثقافة و الإبداع و إفساح المجال
أمام الأقلام .نصيحتي له أن يحذف هذه الشارة عن صفحته
لأن
الفرق ما بين الآخر والعدو المقابل هائل المساحة والمعنى . وهو أيضا قد
تعلم أن يصبح قاضيا و بدأ يرفض هذا ويلعن ذاك و إذا رأى
ينشر و إذا غضب يشتم . وهذا حجاب آخر لا نريده .
و
البعض لا يستطيع أن يميز المقال من القصة من الشعر ، و لكن لا ينسى أن
يعمل قاضيا و رقيبا في ذات الوقت و البعض لا يرد عليك مهما حاولت ولا يهتم
بنصوصك ، وهذا أيضا بعض من حال الصحافة التراثية القبلية بامتيازات سلطة
القبيلة .
طبعا
لازالت الصحافة الجديدة فقيرة بالمواقع التي تهتم بالفن التشكيلي و نقده
وحواراته و إفصاحاته ، كما كانت حال الصحافة المطبوعة على امتداد أيامها
السوداء . و هذا نوع من الحجب نرجو تجاوزه .
و
أهم من ذلك هو فقدان المصداقية في أغلب الإتصالات و المراسلات و الكتابات
بسبب الأسماء الوهمية و عدم معرفة مكان الكاتب و هويته إلا فيما ندر وفي
رأي الجميع أن الذي يريد أن يتصدى لشأن عام واسع الطيف مثل الثقافة لا
يختفي وراء حجاب و إبهام .
في آخر القول أقول ...
أنني
لم أقصد شخصا بعينه أو موقعا واحدا فقد رأيت أن هذا الذي تحدثت عنه هو غيض
من فيض في أغلب المواقع التي اهتمت بإعلاء شأن الثقافة و هي بالتالي نسخ
الكترونية عن تلك التي عاثت فسادا في جسد الثقافة على مدى صناعتها
و
قد حرمتنا من الكثير من آراء و كتابات و إبداعات الكثير، الكثير من شعراء
و روائيين و تشكيليين و هذا ما تفعله هذه المواقع و عدم ذكري لأسماء
المواقع الذي يعرف القيمون عليها ماذا أعني و ماذا اكتب و أريد أن أنبه
بقوة
و
أشير عليهم بإصبعي و على أفعالهم و أتمنى أن يفهموا أن أحدا لا يستطيع أن
يقف في وجه الإبداع و أن كل قوى السلطة في التاريخ لم تستطع أن تسكت مبدعا
واحدا و الأمثلة في ذهن الجميع . أتمنى هنا أن يصدق المثل " الذي فيه شوكة
سوف تخزه " .
و
أريد أن أتوجه بتحية و موقف احترام لتلك المواقع التي استطاعت أن تتفوق
على ذاتها و أن تستمر في احتضان الكلمة و الحفاظ على مصداقية النشر و تحمل
كل أنواع الرقابة ، وكانت وكونت الرأي الآخر بامتياز ولم تكن في مواقع
العداوة والتسلط ،
و تحملت من جهة أخرى كل حالات النزق التي يمر بها المبدع و هذا إبداع نبحث عنه .