
جريدة الكفاح العربي 16/9/1997
حاوره : نضال بشارة
الفنان التشكيلي محمد بدر حمدان هاجسه الحضاري هو الإنسان و لذلك نرى بطل لوحته ، مختلطا في الزمان و المكان . اللوحة لديه مساحة حياة لا تموت و هي حوار لا ينتهي . هنا محطة حوار معه :
مارست الإبداع الشعري و الإبداع التشكيلي أيهما كان الأسبق فرفد الآخر ؟
وقت
بدأت أمد أصابعي صوب النجوم الغافية على صدر البصر ، لم أكن أجيد الكلام ،
كنت أرغب ، ربما أن أصنع شيئا مضيئا ، و لم أكن أخاف احتراق أصابعي . كانت
الشمس تفاحة كبيرة لا تنتهي و كنت أرسمها موشحة بعتمة الذاكرة المقيدة
بتعاليم قاسية
و خطوط أبدية من حدود المحرمات و الطواطم و أوراق التوت المجيدة .
و
حين أردت قول أحلامي خرجت من ماء الرؤية رسما . و جاءت الكتابة فيما بعد
أحد أشكال هذا الرسم . جاءت متأخرة حكما لأنها أكثر حرفية ، ذلك أن المعنى
في الكتابة يوصلك إلى حالة الحلم ، و ليس شكل الحرف أو تركيب الجملة . على
عكس التشكيل ،
حيث الحوار البصري هو الأهم
و ليس الكلام عن العمل الفني ، أعجبني فيما بعد أن أخلط الأشياء على وجه
القول ، و أرسم الشعر أو أكتب الرسم ، أصنع قلادة من تحولات القمر تصافح
وجه رصيف متعب زاره الحبيب موثقا بلحن الحلم .
الحلم
/ الإنسان . سيد الآتي من الزمان ، و درب المشتهى ، قاب قوسين ، و ربما
أدنى من سياج الحب المنداح على امتداد لا حدود تلم به . الحلم / الإنسان
المنقوش على وجه نجمة في البعيد ، يكمن سر جمالها أنها لا تبدو على
حقيقتها أبدا .
ضمن موضوعة اللوحة ( تشكيليا و إبداعيا ) ، ما الذي يهجس به الفنان حمدان ؟
اللوحة
مساحة حياة لا تموت . و هي حوار لا ينتهي . لذلك فهي تتطلب الكثير من
الاهتمام و طقوس عشق حد التوحد ، تخرج من رقص الخلايا و تصبح جزءا من
الأصابع و امتدادا مدهشا مغزولا بخيوط البصر القزحية ،
يعادلها
وهج حوار الانسان الفاعل المهموم بأوراق تحملها رياح الترحال على دروب
تقود إلى مبهم معشوق و سؤال فاتن لا يطمح أبدا إلى جواب .
الانسان كما أسلفت هو هاجسي الحضاري ، يسائلني دائما عن غيوم وردية تمطر
فرحا لأطفال الكوكب البائس هذا ،
و تخوم ليست حدودا تصير ملاعب موسيقى و أغان تمتد على شرفات انتظار لا تسلب الخلايا وهج التنفس .
الإنسان
، ليس الفكرة و لا الأسطورة تاريخا ، بل هذا الذي يسعى لأن يكون محطة جمال
و أفق لازوردي ، هذا الذي يغرس أضلاعه كي يسقي شجرة الحرية التي لا يمكن
أن يكون بدونها شيء .
يسألني
بطل لوحتي المختلط مع الزمان و المكان : إلى أية مجرة يوصلني درب الألم
هذا ؟ أغمس فرشاتي في محبرة الليل و أرسم فوق عينيه نقاطا سوداء جدا ، و
لا أجيب !
يلاحظ في الكثير من لوحاتك أجزاء أو أشلاء أجساد مبعثرة ، تحمل انفعالات و عوالم هذه الأجزاء ، ما هي وجهة نظرك ؟
قبل
أغنية قلت لك ، أن بطل لوحتي مختلط في الزمان و المكان و همومه البسيطة
توازي همومه العظيمة ، وربما تفوقها إيلاماً وقهراً . وهكذا أجده يتخبط في
دوامة إيقاعها رتيب حتى أطراف الموت .
وحين
يبدأ القلم أو الفرشاة تسليط الضوء على بقعة العذاب المدورة المخاتلة التي
تلف جميع الجهات ، تجد أن الهموم و الأحلام معجونة بماء الفرح وهي تدخل
أفران الحزن دون أن يستطيع حيالها أي شيء .
لماذا معظم لوحاتك مزنرة باللون الأسود ؟
الأسود
عندي شفاف لا لون له . إنه إيحاء مهم يقدم تضاداً حاداً مع الأبيض و
الرمادي المهشم ، ويقدم في تكوينات أخرى انكساراً بصرياً يصرخ في سماء
السكون الكثيف أغنية عشق يحملها وجه متهدج الصمت و حمامة تبوح هديلاً : ((
لا فرق بين حمامتين )) .
هل يمكن تصنيف أعمالك ضمن مدرسة ما ؟
أعمالي
هي أنا ، هي رؤيتي الجمالية الخاصة ، وما وصلت إليه من تثقيف بصري لفرشاتي
و قبلها عيني . و لا يمكن أن يرى المبدع تشكيلياً بعين ليست له . المدرسة
النقدية تأتي بعد الحالة الإبداعية و ليست قبلها .
و
كل ما هو مخالف ليس فنا جديدا أو خلقا آخر ، لأنه لا يوجد فن مسبق الصنع ،
و إلا لكانت أكاديميات و معاهد الفن في العالم قد قدمت فنانين أكثر من عدد
العسكر . و يا ليت هذا يحصل !
كيف ترى علاقة المتلقي بلوحتك ؟
علاقة
صعبة في أغلب الأحيان ، لأن الجو العام ما زال يفتقر إلى الكثير من
الثقافة الفنية بكل أبعادها و ليس هناك أدنى اهتمام إعلامي يساعد جمهور
الفن على تطوير التواصل مع الأعمال الفنية .
لكن
الأمر لا يخلو من حالات فردية عظيمة و المتلقي الحضاري شيء غاية في
الأهمية في حال الحوار . لأنه حين يحب أعمالك يحملك الكثير من الأحلام . و
ترغب أن ترى أمثاله في كل معرض .
هل لديك أي جديد تحدثنا عنه ؟
دائما
هناك جديد ، طالما أنني أتنفس . على ذروة هذا الصباح صافحتني زهرة فل
تغادر أصيصها من على شرفة المرسم . علمني جمالها أن لا أشمها كي لا تذبل .
و وجدت أني أعيد تشكيلها على صفحة بيضاء بلونها ، لم أرسمها رسمت عطرها الذي لا يذبل.