جريدة المحرر نيوز 23شباط / 1 آذار / 1998

حاوره : أحمد عساف

 

من رحم البحر خرج نحو عوالم تزدحم بالأطفال و النساء ، و الأسماك و النوارس . من الرمل كون أشكالا لكل ما تتوق إليه أحلامه . بالأسود و الأبيض بدأ انطلاقته الفنية إلى فضاءات اللوحة حيث مشتهاه ،
إلى أن كون لذاته الفنية تلك الخصوصية الواضحة .

القارئ لخط إبداعك العام يجد أنك فنان تشكيلي متميز ، مهندس ديكور ناجح ، مصمم أغلفة كتب ، و مخرج لصحيفة و كتاب ، و كاتب لنص أدبي ... ، من هو محمد بدر حمدان في هذا الازدحام ؟
حين بدأت أصطدم بالمحرمات و الممنوعات في أنواع اللعب و الموسيقا ، بدأت أشعر أن هناك حدودا كثيرة ترتسم حولي بأوجه لا حصر لها ، و كان من الصعب عليّ أن أقبل بأن هناك ما يحدني .

الطفولة تبدأ حين تلفظ أمواج الرحم جنينها ، و قد تبدأ الخطوة الأولى باتجاه الموت . مفارقة واسعة الطيف ، لا تقبل أن تكون على مساحة العمل الفني الإبداعي ، حيث أن مساحة الإبداع تنبض بالحياة دائما . هناك على تخوم الذاكرة الأولى ،
الأوراق الأولى : وقفت حاملا دفتري المائي . لم أحفظ أيا من تلك التعاليم و لم أبحث في مدلولاتها أو حضارتها و بقيت أخلط وجه الأماكن ، بقيت أنتمي إلى زمن لا يشيخ ، و أحاور بشغف رسوم الإنسان الأول مثل حواري لآخر لوحة يقع بصري عليها .
لا أحب العيش في وجع الذاكرة و لا أرغب في حمل التاريخ على ظهري . ربما أريد صناعة حلم أبهى ينظف العين بضوء المحبة .
أعمالك متميزة بالأسود ... لماذا السواد ؟
الأسود كامن المعرفة .. رحما الأنقى ، و حجابها الضوئي . بالنسبة لي أعالج الأسود بالكشف عبر البحث في تلافيف المبهم ، حين يضيق بي السؤال .. ينفتح عن تشكيل بأبعاد ضوئية أخرى تفصح عنها مساحة العشق الدائم للسفر في أناشيد البشرية زمنيا .
و ماذا عن البياض ؟
على الرغم من أنني في أغلب الأحيان كنت أغطيه بريح السواد تاركا إفصاحات قاسية الملامح ، و نقوشا يعتريها وهج الكلام ، فقد حاورت الأبيض باستقلال كامل عن كل الألوان . الأبيض مبهم من نوع آخر ،
و أهم حالاته أنك لا تستطيع أن تراه إلا إذا بدأت بالوشم على جلده .
أنت ترى العالم رؤية غرافيكية لكنك بعيد عن الزيتي لماذا ؟
لا أدري لماذا هذا التمييز ؟ الغرافيك مادة عمل فني كما الألوان الزيتية . أنا ألون أعمالي بالأسود و الأبيض ، و أصعب ما في الأمر هو شفافية الأسود و غموض الأبيض .. ، أعمل الآن على مرحلة مهمة الإنتقال من الأسلوب الغرافيكي كما تسميه ،
إلى أسلوب زيتي غرافيك ... ربما أو غرافيك زيتي .
يرى أحد الشعراء أن : ( الفنان طفل لم يفقد ذاكرته بعد ) . القريب منك يجد أنك ما زلت ذاك الطفل المشاغب .. أي طفل أنت ؟
الفنان أكثر من طفل بقليل .. و أصغر من نهاية . هو مجموعة متناقضات تعج بها مساحة الإبداع . وفي كل حالاته لا بد وأن يكون مساحة تعالج الزمن بصفاء خارج مقولات الاستهلاك . بالنسبة لي كنت وما زلت أعاند ستائر العقل ،
و الخطوط ذات الاتجاه الواحد ، وأواصل خلق مسافات الحلم بصريا . وأرغب جدا أن أرقص في ماء الصمت .. والريح تعانق أشجار الأرصفة .. وتبيح لها قول العري كل مسافة ..، قالت لي شجرة التوت أمام مرسمي :
إنها تنتظر أصابع الخريف كي تتأكد أنها ما زالت حية .
حواء .. على مر العصور .. ملهمة للإبداع .. ماذا عن حواء لديك ؟
ربما كان اسم حواء لغويا آتيا من فعل احتواء . هي المكان الأول الذي بدأت أخفق في داخله ، وأخذت منه كل ما أملك من دماء لكي أستمر في رؤية وحوار العالم ولكي أستمر في البحث عن الرحم الآخر الذي يمنحني دما جديدا .
حواء البصرية التي أقدمها هي في مكان قريب جدا من ريشتي ، تسامرني ، وتراكض وجه الأرصفة ، ولا بد أنها بانتظاري في مكان سوف تلقيه المسافة .. مرئية لا تدخل أغلفة كتب الأساطير ولا تحمل جسدها الممتع بين كفيها مع زجاجة ( البيبسي ).
تنبض بدماء حارة الدفق كصباح ربيعي يفور بألوان القزح ، وهي الطرف الآخر في معادلة الحوار الإنساني ، حواء الثقافية ، حواء الأمومة .. حواء .. كأننا دخلنا طقسا إيديولوجيا ، حواء هي أول الخفق وآخر المشتهى .
اللوحة في تطور دائم . المتلقي لا يساير تطور اللوحة .. على من نضع اللوم : الناقد ، الفنان ، المتلقي ..؟
لا نستطيع أن نلوم أحدا في حال عدم توفر إمكانات الحوار .. إن نخبوية التجارة وافتقارنا الدائم لوسائل الاتصال البصري أو عدم اهتمامها قد ساهم في تكثيف الظلال على الكثير من الحالات الإبداعية
وتسليط الأضواء على مسائل استهلاكية ساهمت في استهلك المتلقي من جميع نواحيه ، مثقفا كان أم ناقدا أو حتى فنانا .
هناك إصرار منك على ورقة التوت .. تكاد لا تخلو لوحة من لوحاتك منها ؟
ورقة التوت لها مدلول أسطوري أيديولوجي يعني الستر . لقد وجدت نفسي أستخدمها في أعمال كثيرة مكان الرأس . أو أنني أخفيت الرأس بها . وربما رسمتها في أعمال أخرى عضوا في صلب الجسد الذي أحاوره
وأنا الذي حين رأيتها للوهلة الأولى بدأت حواري معها ، وكان أن وجدت أنها ليست بصرية بل هي ورقة عقلية ، سلفية لا تمت بأدنى صلة إلى أوراق الخرف التوتية ، ولا إلى بهاء العري المقدس .
الفن و الإبداع عموما وجدا لخدمة الإنسانية ورقيها . إلى أي عالم إنساني تطمح ؟
الإبداع خلق الإنسانية ، وأحد أهم أهدافه هو المحافظة على الشكل الأرقى ، حيث تغيب كل المسائل التي تحد منه . لا يوجد مبدع في العالم زمنيا تستطيع أن تمنحه هوية ، و لا يوجد جائع في العالم تستطيع أن تعطيه لقبا آخر .
الإنسان نشيد يحمل أجمل الأشياء و الإنسانية ليست شعارا ، هي ، بكل اختصار ، شجرة تزهو .. وتفصح أزهارها .. ولا تتردد في إلقاء آخر أوراق سترها ، حين لا بد أن تقدم وسادة لمشرد ضاقت به التجمعات البشرية الحالكة .
لم تكن أمي تقدم زيت الزيتون هبة لأحد السائلين لأنها أغنى منه بل بقدر ما كانت تحس بجوعه . هكذا علمتني .
أنت كالطائر .. تتنقل بين المدن .. هل هذا العالم برحابته لا يتسع لضجيج روحك الجميلة ؟
التنقل يحمل بعدا معرفيا ، ويحمل حوارا طريا بشكل دائم. وأنا حين أشعر بالملل أو التكرار أحب أن أسافر في كل الجهات. تستفزني المساحات البصرية التي لم أحاورها بعد. وحين لا يتوفر لي الترحال أرسم مدنا وعوالم جديدة ،
وجوها مكتظة بالقصائد، وأجسادا فوارة بأحلام اشتهاء القول. أذكر أنني أحسست بعد حالة ضيق أن خطواتي المقبلة ستكون في الفضاء .. لكن الرصيف كان أسرع .. و استبقاني تحت شجرة ننشد أوراق انتظارنا .  

الصفحة الرئيسية
الأسود كامن المعرفة .. الأبيض غامض