جريدة الوحدة 25/2/1998

حاورته : مهى الشريقي

 

من يرى لوحاتك يرى فيها إبداعا حقيقيا .. ما هي الأجواء التي ينطلق منها محمد بدر حمدان ؟
هناك على تخوم الطفولة قرب فستان أمي ، لا زلت ، يدهشني حال الإنسان القلق الراكض في دروب لا يعرف نهايتها لكنه دائم الاجتهاد كي يصل ، باحثا عن الحب و الأمان وكثيرا من فضاء الحرية ،
هناك / هنا _ لا أزال أبني أحلامي التي تحاصرها الدوائر اللامتناهية من المفاهيم المسبقة الصنع و المقولات الجامدة في فلسفة الذاكرة البشرية و كأنني أنسج حلما ألقيه في ماء المستقبل ، ومنذ تعاليم المهد القاسية لا زلت مهموما بالإنسان.
كنت أرسم وجها ما ، ثم أنزل إلى زحام الشارع أبحث عنه ، وكنت أقطف وجها ما ، ثم أزرعه على جذع اللوحة ولا أزال أخلط الأماكن.
على اللوحة يهدل وجه قادم من كلا المكانين مغمورا بأحلام يشتهيها في عبق انتظار يعيد الخريف إلى وجه الرصيف المحتفل بعري الأشجار وريح الصباح الوردية ، وفي البال موال يعصف صمتاً مترقباً خفقان القلم الذي يكتب نشيد القلق الطافح بالمبهم ،
شجرة التوت أمام مرسمي تراقص الريح ، جمالها المتجدد علمني كثيراً من أوراق الحياة.
هل تكفي الموهبة لتقديم فنان ؟ أم أن هناك عوامل أخرى ؟
أبداً ، لا تكفي الموهبة لتقديم فنان ، فهي بحاجة إلى دراسة و اجتهاد وإلى مران طويل ، ولا أقصد هنا الأكاديميات التي تدرس أنواع الفن ، لأن أحداً لا يستطيع أن يصنع فناناً . الماسة مثلاً ،
 لا بد من صقلها بشكل مدروس حتى تظهر على حقيقتها ، وقبل أن يقدم الفنان أعماله للحوار ، أقصد المعارض ، لا بد وأن يكون قد وصل إلى تأليف مفرداته التشكيلية واستطاع حوارها قبلاً و معالجتها ،
 ثم بعد وشمها على جلد البياض المدهش يكون قد همس لها بما يريد وما يحلم.
مع اختلاف التجارب التشكيلية كيف يستطيع المتلقي قراءة لوحة ما ؟ بمعنى ما هي الأسس التي تساهم في تبسيط المشاهدة ؟
الثقافة حضارة وهي الأساس ، ولا أعني الثقافة النقدية أو التشكيلية بل الثقافة الحضارية . حيث كل درب من دروب المعرفة يؤدي إلى درب آخر ، ولا بد أن يعرف المتلقي أنه بحاجة إلى هذا النوع من الفن أو ذاك .. حينها سوف يبدأ البحث عن سبل الحوار معه.
ولا أعتقد أن اللوحة أو العمل الفني هو من يعاني فقط ، الأعمال الموسيقية تعاني أيضاً وتتألم حين لا تجد أذناً مثقفة تسمعها . القصائد ، الروايات ، تنوح وتتمزق حزناً حين لا يقرؤها أحد . الفن حاجة بشرية هائلة
وكلما ازددنا إحساساً بالحاجة إليه كلما ازداد وهج الجمال توهجاً في ظلمات الجهل.
ما هي علاقة الفن بالنقد وكيف يساهم الثاني في تطوير الأول ؟
النقد الفني فلسفة ذهنية ، لا تتوافق مع الثقافة العلمية التي يكتسبها الفنان من خلال عمله ، كما أنه وبالتأكيد يأتي ما بعد العمل الفني وليس قبله.
العمل الفني فعل حرية ، خارج المقولات و التعاريف ، وثقافة العمل الفني التشكيلي تأتي بصرياً ، الرسومات الباقية منذ زمن الكهوف لا زالت متألقة بصرياً ولا أستطيع أن أنسبها إلى أية مدرسة نقدية رغم الكم الهائل من المدارس الذي أنتجته أكاديميات القرن العشرين.
هل يجب أن تواكب اللوحة التشكيلية العصر الذي تعيشه لتلقى الإعجاب ؟
لا أعتقد أن اللوحة تواكب عصرها في أي حال ، فهي مقولة مستقبل دائماً ، أو أنها تكون قد أوقفت الزمن في وجهها ، وليس ضرورياً كي نحاور لوحة قديمة الصنع أن نعود إلى عصرها ، ولا أعتقد أيضاً بأن جميع الذين يعيشون في القرن العشرين يواكبون عصرهم ،
وربما لا زالوا في قرون مضت.
اللوحة فعل حضاري ثابت ودائم الاستعداد للحوار . ولا بد للمتلقي ، كما أسلفنا ، من ثقافة بصرية ن ذهنية تساعده على الوصول إلى مفاتيح بوابات الحلم الذي ترصده اللوحة بخطوطها وألوانها أو كامل بهائها.
لكل فنان رسالة ، ماذا تريد أن تقول من خلال لوحاتك ؟
الفنان زبد القلق البشري ، ولا بد أن يحمل رسالة ، لكن ليس بالضرورة أن يكون لها أسساً وقواعد ، أعتقد أن هاجسه الدائم هو البحث عن الجمال ، حيث أنه يرى – كما قيل – ما يجب أن يكون ،
ولا بد أن الفلسفة البشرية قد أجمعت على أن العمل الفني الإبداعي هو أهم نتاج تقدمه الحضارة في مسيرة الزمن، وأنا واثق من أن حضارة ما ، قيست وتقاس بما قدمته للتاريخ من صروح فنية تحمل رسالتها ، و لا زالت مرايا تعكس لنا ضوء الزمن الصامت ،
وتخبرنا كل شيء عن أمم وشعوب قدمت حوارها الفلسفي من خلال إبداعات فنانيها ، بالنسبة لي أرغب كل وقت أن أقدم لوحة ، حتى أنني أحلم دائماً أن تغطى مساحة الكرة الأرضية بالأعمال الفنية.
وماذا عن الصلة بين الفن التشكيلي و الإعلام ؟
وسائل الإعلام البصرية من أهم المساعدات على انتشار الفنون البصرية و إيصالها إلى الناس ، الآن يمكن أن نتابع مسيرة فنان ما في أي مكان من العالم من خلال الصحافة أو التلفزيون ،
وهكذا وبقدر ما تكون هذه الوسائل مهتمة بالحدث الفني كلما زاد الاحتكاك المباشر بين الفنان والناس بشكل واسع يخدم الطرفين . وهنا لا بد أن نتمنى أن تواكب وسائل الإعلام حركة الفن التشكيلي في بلدنا والعالم وهذه مسألة حضارية جداً ز ونتمنى أيضاً على جريدتنا

- الوحدة – أن تفسح مساحات أكثر لحوارات وأخبار الفن التشكيلي ، حيث أن عدد صفحاتها و حلتها الجديدة يسمحان بذلك ، إضافة إلى النفس الجديد الذي لمسناه من محرريها .. والقائمين عليها.

الصفحة الرئيسية
أنسج حلما و ألقيه في ماء المستقبل