مدونة الفنان محمد بدر حمدان

26 نوفمبر 2009

كتابات

يندرج تحت تصنيف : فن تشكيلي — الفنان محمد بدر حمدان @ 5:25 م

التشكيلي حسين مصدق يفتح نوافذ الضوء

منذ صافحت أعمال الفنان حسين مصدق أول مرة في العام 1999 أثناء معرضنا المشترك في صالة نينورتا في سوريا همست انطباعي عن هذه المصافحة البصرية في ذات صفحة مضيئة و كان الكلام الذي أباحه القلم يرسم الكلمات : ” الفنان حسين مصدق يصوغ من الألوان الطازجة قيمة التشكيلية و التعبيرية التي لا تخلو من العناصر الإفريقية و تأثيرات المكان ” . و في صفحة أخرى كان لي أحرفاً أخرى تقول : ” تؤكد أعمال الفنان التونسي حسين مصدق بأنه يحمل ذاكرة ً بصرية ً حادة ، ذلك أنها مسكونة بالعناصر الإفريقية و مفردات المكان و هو يعمل باجتهاد واضح ليقدم لوحة تفضي بما تمليه تلقائية المشاعر للوصول إلى فضاءات هائلة الحجم ” . و هو الآن يقف على نوافذ الضوء مستكشفا ً مشهدية بصرية فاتنة الضوء العارم بالحياة و يدعونا بأحاسيس العاشق الهائم في وله المحبة إلى الذهاب بعيداً في أعماق الإنسان و اكتشاف شرايين الرحم البصري الذي نعيش فيه و السير على دروب الحلم الهائل بمعنى الحرية و التوغل بعيداً صوب مدى الرسالة التي يحملها الفنان بين كفيّه في كل زمان و كل مكان دون أن يطلب ذلك أحد . لقد دأب الفنان حسين مصدق على التجريب و الذهاب بعيداً في تلقائية التشكيل بطفولة اللعب و بعيداً عن تعليمات الأكاديميات و النظم الجاهزة لتقديم المشهد التشكيلي و هو أيضاً غاص إلى أعماق النفس الكامنة و قام بنثر قصائده الضوئية على قماشة عرفت كيف تقدم لنا بطاقة دعوة مفتوحة للسفر إلى أقانيم الضياء بمعنى الحياة و خيوط اللون الداكن حينا و الساطع أحيانا كثيرة بمعنى أحوال الإنسان في زمن يفتقد إلى أدنى مقومات الإنسانية . ربما هي واحدة من أهم أسفار الفنان هذه المكاشفات اللونية بمعنى مشاعر الألم القارس و مشاعر الحلم الذي لابد أن يكون حاضراً في تلافيف حياتنا . إن صناعة الحلم من ماء الإنسانية هي ولا شك من أهم أسفار الفنان في زمن تنهار فيه كل القيم و يصبح الأمل و الحلم و السير إلى فضاء الإنسان نوعاً من الممنوع تحت ستائر الأفكار الضلالية التي يملأ غبارها الأفق و يغطي على وضوح الشمس التي يرسمها طفل ثم يأكلها مثل تفاحة بارعة الإحمرار و ينام تحت لحاف الحلم يلهو بذكريات لم تحصل بعد .

الفنان التشكيلي محمد بدر حمدان سوريا ــ اللاذقية 26/1/2007

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

التشكيلي ناصر نعسان آغا

معزوفة في مقام .. مقام في لوحة  

     هو المكان في أعمال الفنان ناصر نعسان آغا واضح الملامح مسكون بإبهام العشق لقسماته المنحوتة من أطياف موسيقا الالوان الطاغية بحراك لا يقف عن عزف المقام على أوتار النشيد و أزياء الضياء .

تجربة غنية يلعب الفنان فيها دور المايسترو الملون و يكون المكان أوراق النوتة و تكون الألوان صوت الموسيقا و يبوح في زهوه المقام .

عاشق يدندن قصائده أشكالاً و ترندح أشكاله موسيقا و عند أعتاب الحارات ينقل الحمام أسرار الشبابيك إلى آذان الجدران الغافية على مصاطب التاريخ .

ألوان هي التوزيع الموسيقي و اختلاج اللحن يكمن في وهج الصوت الذي يراقص الحمام رقصة الضياء العارية .

يذهب بناء اللوحة عند الفنان ناصر إلى خشبة العرض و تكون المدن محفورة في عمق المشهد بعيداً في تلافيف الذاكرة و يكون الأسود الدافئ ديكور المكان و النوافذ بأصابعها المخملية تحتضن المدى .

قصيدة شعر كاملة اللحن تغرف مشهدها البصري من واقع الرؤية و ترسله متحرراً من حدوده إلى المساحة البصرية بكامل أمدائها و الأشكال النابضة في أعمال ناصر تلبس حركتها و تتابع رقصها في فضاء المشهد المفتوح على مجاهل الكشف بين متعة الإيحاء الناطق و صمت التجريد البارد .

أكتب في أوراق التشكيل :

اللوحة قصيدة تلبس الصمت و القصيدة بوح في عباءة التشكيل و تعبير يفصح عنه اللون بتفاصيله الموسيقية .

و أيضاً أكتب :

لا يكون العمل الإبداعي إلا كامل العناصر و المكونات و التقنية مروراً بفخامة المعنى و طموح القول .

و أختم :

العمل الإبداعي تأسيس و فضاء كامن الحلم .

محمد بدر حمدان

اللاذقية 11 / 5 / 2009

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..  

انطباعات من اسبانيا 

إلى ( رفعت عطفة )  

 

محمد بدر حمدان

معرض المونيكار – معرض مدريد

” تأخر ذهابي أكثر من عشرين عاماً ” هذا ما كان يدور في تلافيف دماغي و أنا أبحر بين الغيوم وضجيج الأحلام باتجاه اسبانيا .

           وصلت الدعوه عن طريق البريد الالكتروني و كعادته دائماً، صادق مثل ابتسامته التي ترحب بنا في مطار مدريد أنا و الفنان الصديق حسن حلبي .

إنه رفعت عطفة الذي أسميه ” دونكيخوتة الثقافة العربية ” رغم أنني لا أحب الألقاب ، لأن المبدع أكبر منها دائما .

    كانت أول لوحة رسمتها في اسبانيا و قدمتها باحترام فائق لصديقي رفعت و طلبت منه أن يضعها في مكتبه في المركز الثقافي السوري بمدريد هي  لدون كيخوتة . وقتها قال لي : إنها رؤية جديدة  ، كان فرحا مثل حفيدته حين تحصل على قبلة منه .

    في مدريد بدأت أصافح الإنسانية بمدنيتها العارمة ، وشعاراتها الصارمة ، و لم أقع في مطبّ المقارنة منذ اللحظة الأولى و هذا ما أبقاني في وضع أفضل .

” هذا إله الخير و هذا إله الشر إنهما يتحاوران بسلام و كل منهما يملك شجرة الحياة التي تخصّه ” .

هكذا تحدثت عن اللوحة وسط دهشة الحضور و إعجابهم و بدأ التساؤل عنّي و عن مصادر ثقافتي و من أين أتيت ؟

حينها عرفت أنني حملت ملامح أهلي إلى العالم .

خاتمة : في مدريد زار المعرض الفنان الاسباني المعروف آلكسانكو و قال بعد لحظات تأمل ” إنه من أهم المعارض ” . و تقول الصحفية في إذاعة الشعب الجديدة و المذيعة في تلفزيون الشمال المحلي في مدريد ، أنت فنان كبير و متميز و عالمي و ما إلى ذلك و أنا لا أحب المديح و الجوائز و الألقاب و لا أحب المجاملات أيضاً . و لا أرغب بها ، الحقيقة لا تحتمل المجاملة .

      كانت الساعة السابعة صباحاً لكن الشمس لم تصل بعد . خرجت من غرفة الفندق و تناولت أول الشاطئ و بدأت طقس انتظار وصول الشمس ،  كان صياد عجوز ينتظر سمكة  ما تعلق في سنارته قدمت له تحية و سيجارة و ابتعدت إلى أول الصخور .

     تركت حسن و أحلامه بشراء بدلة غطس و عدة غوص و ذهبت إلى شاطئ آخر ، لم أكن أستطيع انتظار الشمس أكثر .

في ذلك الصباح الباهت المدهش على شاطئ مدينة المونيكار ( المنكب ) الأندلسية كتبت على ورق الانتظار :  

الرمل على شاطئ شفتيك أجمل ،

النجوم في فضاء كفيك أجمل ،

الشمس ، الصباح ، خريف الشتاء ، ضوء حبات المطر ،   أجمل ، أجمل . 

في ذات المساء الذي رحل متأخراً مثل ضيف ثقيل الحضور ، دخلت في ركن انتظار كان أقسى و صرخت في وجه لوحة :

ماذا يفعل الوقت ؟  و بدأت أكتب على ورقة انتظار أخرى :

أشتاق إلى أشيائنا الصغيرة ، التافهة .

واسع فراش أنت فيه ،

ضيق هذا المكان ،

ضيق وجه الأفق . 

     في المساء غداً سوف يتم افتتاح المعرض ، كنا نتبادل الحديث أنا و حسن و كنت دائم الإصرار على أننا مظلومون في كل الحالات و مغدورون إعلامياً

و مستلبون تواصلاً و متابعة ً . و كنا نرتب الصالة في المركز الثقافي في المونيكار

    قبل أن نغادر بيوم واحد زارنا الفنان التشكيلي العراقي كاظم شمهود و ذهبنا إلى مرسمه . وقتها قررت أن أكتب عن الفن التشكيلي العربي في المهجر . و قلت لكاظم سوف أبدأ بالكتابة عنك .

و هاأنذا أفعل .

     حضر وزير الثقافة السوري الدكتور رياض نعسان آغا  و حضر السفير السوري السيد مكرم عبيد و جاء عمدة الأندلس و كلل الحضور بحرارة مشاعره رفعت عطفة و كانت شمعة الصبر زوجه بهاء التي أحب بكل احترام أن        أسميها أمي .

كان احتفالاً جميلاً على أنغام فرقة الغناء و ناي الفنان التشكيلي علي نيوف .

قال حسن أن أحد الأعمال استغرق منه ست سنوات ، و قررنا أن نضع له سعراً باهظاً في مفهومنا الاقتصادي ، لكن أحداً لم يبالي بشراء الأعمال ، من نحن . يزعق السؤال . خارج الإعلام و خارج الزمن ربما .

خرجت دمعة فرح من أعيننا حين رفعنا العلم السوري أمام تمثال يمثل عبد الرحمن الداخل على الشاطئ الذي نزل فيه و تحت حبات المطر افتتحنا ( سمبوزيوم أمويو دمشق و قرطبة ) في الثامنة من مساء اليوم الثاني .

أصدقائي :

جئت إلى اسبانيا أبحث عن صديقي لوركا في أوراق الشوارع وكؤوس الحانات وبعض أطراف المدينة ، وجدت أنه قد تحول إلى أوراق باهتة تباع على ناصية الموت كتذكار لحدث ما .

وهنا بحثت عن صديقي بيكاسو وانا في زواريب قريته العظمية ، وجدت صديقي بيكاسو أعمالاً توزع في مكتب السياحة مع إعلانات النوادي وأطيب المأكولات وأشياء تبوح بها واجهة البار عند أعتاب النهار .

وسألت السادة المهدورين في أزقة الانتظار ماذا تفعلون في أول النطق .

صمت الجميع مثل أصداف يختفي في حضنها السر ويضيع في وجه الزمن .

كتبت وأنا في أقصى الألم :

هنا حيث لاأعرف كم أنت بعيدة ،

هنا ألعب بذكريات لم تحصل بعد ،

هنا أعود في جمر المراكب صوب أصابع كفيك ،

بعيدة أنت تماما في مكان يعرف أنفاسي ،

هنا لاأعرف أي اتجاه لايدل عليك .

بوح …

أطرق باب النهار هارباً من زحمة الأحلام لا أرنو إلى وقت ، بأصابعي أتلمس الزمن فوق الجدار المستطيل على صفحات عمري المفتون بأنواع الورد والظلمة القاحلة ، أجرح وجه السواد الصامت يخرج اسمك مكتوباً بضوء الهيام وأزيد في جرح السواد لأكتب بالضوء كم أحبك .

كلمات تملأ وجه الشارع والمطر حروف هجاء

معطف قلبي جملة نحوية لا تخلو من وجع الإعراب .

أكتب في صفحة درسي الأول ،

أنت حبيبتي وأثرثر في خط الهامش كل مساءات القهر المرسوم على وجه العشق الطافح بالغيم الأخضر .

عودة …

هاهي أبتسامة رفعت ترافقنا مثل وضح النهار ونحن نحلق باتجاه مطار دمشق والذي أدهشني هو إحساسي بأن رفعت يستقبلنا ويهنئ بالسلامة إلى جانب زياد محمد حمدان الذي سأل مباشرة عن عمو رفعت عطفة .

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

لوحة في المهجر

الفنان التشكيلي بسيم الريّس

     غادر المكان منذ أكثر من لوحة  ومسافة لون وموال صباحي يدندن بوح العشق بكل تفاصيله ، لكنه لم يغادره حتى أصبح هو المكان بعينه ،   الفنان التشكيلي بسيم الريس لازال منذ زمن وأغنية ومسافة لوحات يقبع خلف ريشته  في وجوه أنهكها انتظار القول ولا تقول .

    غادر الحكاية وأزقة الرواية  لكنها بقيت على قسماته حتى أصبح عنوان الحكاية .

    إلى أين تقوده إرهاصات الغربة الكامنة في أبعاد المساحات الضاربة على وجوه بحجم المكان .

    يأخذنا الفنان بسيم الريس إلى أغوار الإنسان ويجوب بنا في بحر القلق البشري ثم يغوص بنا في كل اتجاهات الصمت القابع تحت رمال الحزن المتحركة .

    مفرداته التشكيلية مصنوعة من صلصال الحياة وبناء لوحته مرصوف بتفاصيل الناس ، تتوزع تكويناته بشكل عمودي على شاقول اللوحة بصيغة معمارية تفصح عن قوة التكوين وتماسك الفضاء القادم  من رؤية جمالية تخرج من فلسفة صافية الإحساس بفتنة جمال الشكل وامتزاجه الهارموني بملامح المكان الذي تعلم الفنان فيه أشكاله الأولى .

     يدخل بسيم الريس باب العري من باب الحقيقة ، وتكون الطاقة الكامنة في صياغة الأشكال والمساحات ومكنون ألوانها مفتاح المشهد التشكيلي العارم بالإنفعال والمشاعر الصاعدة إلى أفق طقسي يخصه ويعيشه في كل لمسة فرشاة و لكنه يدعونا إليه في كل لوحة وكل مشهد .

   يختصر بسيم الريس الأشكال و تبقى خطوطه الكثيفة تبحث عن أصداء البداية في أول النطق وآخر الصوت الفتوح على ألق المدى المفتون بالتفاصيل المقروءة حد التعب ، ويكون الهارب الوحيد صوب باحة الضوء الغنية بالمساءات الزرقاء وستائر البرد  الحمراء ، ويكون الفنان الهاتف المصلوب على كتفيه  الذي يحمل درب آلامه كأنه لا يرغب في احتواء العمل ولايريد له حدوداً تسجنه ، كأنه يبوح حين لايبوح .

    بناء اللوحة ، بناء المكان ، بناء الحكاية والصوت الصامت يقطف الكلمات من عناقيد الحزن المتألق بارداً فوق قسمات يقوم الفنان بتشكيلها بدراسة يتفوق من خلالها على نفسه كلما أراد أن يفصح عن أناشيد حزنه العارم المفتون بالألم الأقصى .

نسأل في همس بارد : في أي أحلام قارسة يكتب قوله ؟

يسألنا في لون بارد : في أي أحلام قارسة أكتب قولي ؟

يسود حزن الأزرق الصارخ في وحشة اللوحة معلنا : أنا المكان .

محمد بدر حمدان – فرنسا 2009 

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

جلجامش التشكيلي

سعد يكن

       منذ ألف نشيد و نشيد لازال سعد يكن يصوغ ملامحه التشكيلية الخالدة . ولازال منذ بداية صباحاته التشكيلية يبحث عن ملامحنا في ملامحنا حتى أصبح السؤال هل اللوحة جاءت بعد قراءة ملامحنا أم أن ملامحنا هي التي في لوحة سعد ؟  

يقدم جلجامش الفن في غير عمل إبداعي مفردة تشكيلية تحمل قسماته الجمالية التعبيرية التي يؤكد فيها على معنى الجمال بأبعاده اللامحدودة الخارجة عن كل الأطر مهما كان اتساع زواياها . و هو هنا يعطي حالة فريدة لحوار الفنان مع عالمه فالمدينة المزدحمة هي حلب التي تعيش في سعد و ليست حلب التي يعيش فيها سعد . و الحلم الذي تراه في عمله هو اكتمال لحظة دهشة و ليس تحريضا أو بابا للحوار ذلك أن الفنان قد مر من هنا و نسي مساحة الحلم هذه داخلا في رحاب مساحة أخرى باحثا في أقانيم تمرده عن وجهه الضائع في توهج نسيج الموت الذي أوقفه في كل لحظة خطاها و لا ينسى أن يبوح أغانيه على صفحات توهج الحياة  بصلابة المتمرد العاشق الذي لا يقف .

       إن أناشيد سعد البصرية تتفوق على اللغة و تحمل بقوة تشكيل الخط إفصاحات مديدة المعنى عن الحب الزمني و الإغتراب في سرداب الحياة و دروب الألم التي تتشعب داخل الفنان و تلك التي يمشيها بصمت صاخب فوق مسافات القلق الجمالي الذي يلبس أعصاب ريشته .

       إن تشكيل الوجوه بملامحها الجميلة في قاموس فلسفة الجمال عند سعد  و حركتها الفاتنة بمعنى الرؤية الجمالية المتميزة لخطوطه تفضي إلى مقولات جميلة تحمل بصمة ريشته الخبيرة في كتابة أشعار الإحساس الذي يتأبطه الفنان في أي عمل .

       وجوه تعيش في خبايا حلم سعد و هي ليست وجوها يراها إنها بكل تعقيد المعنى مفردات تشكيلية بمعنى مساحات بصرية تختزن ضوء الألوان بانسجام يزيد من تماسكها المشهدي تلك الوجوه التي أصبحت أمكنة و تحولت إلى كواكب مبهمة و احتضنت في مرات كثيرة كل المدينة و ناسها في بقعة لون ناصعة بمعنى انعكاس الضوء على سطح حدقة العين ، وجوه يرسمها بدهشة جمالية مدهشة .

      و نزيد القول بما يحتمل المشهد التشكيلي لنؤكد في هذه النقطة على أن الحزن الذي نراه هو حزن أبدي في معنى استمرار الزمان و ليس وقتيا بمعنى اللحظة المستهلكة راهنا .

      و أن هذا القلق العارم في تفاصيل الكتابة البصرية هذه ليس خوفا بقدر ما هو إعلان بحث في مسارب المجهول .

     إن هذا التوازي الفاتن بين المحسوس ، المرئي و المعروف الذي يبصره الفنان و نبصره معه و بين ذلك المبهم المخيف الذي لا نراه و يراه الفنان وحده هو فعل إبداع فاتن الكشف و الأسئلة .

      إن سعد يكن بهذا يبحث عن كشف إجابة لسؤال واسع الطيف و يخرج علينا بسؤال مسربل بثوب الإجابة .

      بصمة جمالية متقدمة في عمقها الزمني هي إبداعاته التشكيلية أرادها الفنان أن تكون شاهدا على مسيرته البصرية في أعماق فلسفة الحياة و البحث الجلجاميشي عن خلودها الرابض في نبض المدى الصاخب خلف أسوار        خط  الأفق .

 

محمد بدر حمدان 9/1/2006        

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

خليل عبد القادر    الحكيم المصلوب

    ذات وقت من عام 1990 في مرسمه رسمنا هذه اللوحة المشتركة . ثم ركض عاريا ً مثل طفل أنهكه الحلم إلى فضاءات أخرى فاردا ً ذراعيه يريد احتضان الشمس .

    كانت أحلامنا في تلك الأيام القاحلة تدور حول مشهد تشكيلي مغاير  و مساحة بصرية خارج قوانين العقل و تعاليم الأكاديميات و أعتقد أننا لا زلنا نسبح في محيط من هذه الأحلام .

   إن ما أراه في أعمال خليل عبد القادر هو حنين شديد اللهجة لزوايا الوجوه التي أحبها و موسيقى منسجمة لونا ً و خطا ً لتلك المساحات التي هرول طفولته على دروبها و هو يبوح مشهده البصري بفلسفة الحكيم المصلوب على جدار الحرية .

إنه خليل عبد القادر المسكون بمواويل المحبة و أنغام البيادر يرقص ألوانه النيروزيه على وقع طبول الصمت القابع في ريشته التي تكتب تاريخا ً من الشعر بمعنى المحبة .

    سافر خليل من رحمه البصري الأول ذات لحظة هاربة من ثنايا الوقت لكنه لم يغادره فهو لا يطيق الغياب ، و أراه هناك يخيط كل مساحات المكان الذي يلعب في زواياه ، أحلامه التي لم تحصل بعد و يرمم مشاهده لأنه يبني ملامح رحمه هناك ، تلك التي حملها بين ذراعيه عند أول  الخفق ولا زال .

    حين زار الانترنت مرسمي وكان ذلك متأخرا ً جدا ً بالنسبة لي   ركضت أبحث عنه فوق صفحات الشبكة و في هذه اللحظة ينتابني شعور عارم بالموت و أسأل بمعنى الصراخ كيف سنعوض ما فاتنا من موت أبيض …

 و نحن لا نتواصل بمعنى الحوار المباشر و لا نكمل أيا ً من أحلامنا التشكيلية التي بنيناها و جاهرنا بها على صفحات أجسادنا  ولا نعزف قصائدنا على مسارح نريدها كأننا أشباح تعصف بها ريحٌ بلا لون . 

الفنان التشكيلي محمد بدر حمدان

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

محمود درويش

كتب لغة الحضور في دفتر الغياب 

عاشق من فلسطين جاء إلينا في مركب القصيدة وأقام على ملامحنا مملكة المحبة وأعلن في صمتنا وهج الكلام  .

قامت لأجله حروف القصائد وأبياتها رقصت واحتفت بحضوره أصوات اللغات وأوتار الموسيقا وبوح النغم .

كان فارسا أنهكه الحب فهوى منتصبا يعانق شتلة تبغ على أدراج حيفا .

ليتني أنت … قالت له كل العيون وعلى مقلتيه همس الحمام :

أسقطوا عني كل أنواع الحدود ،

أسقطوا عني جوازات السفر .

رسم القصيدة من حبر المنافي وعلى دروب القهر و الترحال ساقه الشوق إلى خبز أمه وأصبحنا نجوع حنينا إلى خبزها كلما جاعت اقلامنا وانتابنا مخاض القول في حالنا الساكن .

محمود درويش يمضي إلينا في أول الموت ويسبقنا إلى وجع الحياة .

وهو الذي قال بلساننا سجل أنا عربي .

وهو الذي ترجل ولم يترك الحصان وحيدا .

وهو الذي سبقنا إلى أحضان فلسطين معانقا اوراق النعناع وأطياف العتابا .

حزين أنا على جسد القصيدة المعجون بالصلصال وهي تفقد احد نحاتيها البارعين في زمن السكون .

حزين أنا على وجه القصيدة المطرز بالكلام وهي تفقد احد أبياتها الشهيرة في زمن الصمت .

حزين أنا على باب القصيدة وهي تفقد أحد صانعيها الذين بنوا أبوابها المائة .

لم يكن موتا . كان شروعا في الحياة .

لم يكن صمتا . كان شروعا في الكلام .

لم يكن ألما . كان شروعا في الولادة .

يخرج من باب العشق إلى باب الهوى ويلتحف التراب في باب الهيام .

طفل يدور على الورق

يرسم الشمس رغيفا ،

يرسم الأيام أحلاما  ،

يرسم الأسماء ألعابا .

وحين أدركه الرحيل

أغلق القلب ونام .

 

محمد بدر حمدان  

 

لا تعليقات

لا يوجد تعليقات.

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة.

عفواً ، التعليقات ملغية حالياً.

Powered by Sec4Sy